أعلنت النقابات التعليمية الخمس الأكثر تمثيلية تشبثها بتعليم عمومي ذي جودة، ورفضها ما وصفته بالانزلاق نحو الرداءة وتفريغ المؤسسات التعليمية من مضمونها التربوي، معبّرة عن قلقها البالغ واستيائها العميق من طريقة تنزيل مشروع “مدارس الريادة” بقطاع التربية الوطنية.

وابرك هذا الموقف وزير التربية الوطنية سعد برادة الذي يدافع عن مشروع مدارس الريادة ويراهن عليه لإصلاح التعليم.

وقالت كل من الجامعة الوطنية للتعليم (UMT)، النقابة الوطنية للتعليم (CDT)، الجامعة الحرة للتعليم (UGTM)، النقابة الوطنية للتعليم (FDT)، الجامعة الوطنية للتعليم (FNE في موقف مشترك، إنها تتابع مستجدات تنزيل المشروع في ظل استمرار المقاربة الأحادية والممركزة التي تعتمدها وزارة التربية الوطنية، معتبرة أن التركيز على التجريب التقني والتدبير الرقمي الضيق يتم على حساب معالجة الأعطاب البنيوية العميقة التي يتخبط فيها التعليم العمومي.

وأكدت النقابات أن أي إصلاح تربوي لا يمكن أن ينجح خارج مقاربة تشاركية تحترم الخبرة المهنية للأطر التربوية والإدارية الوطنية، وتضمن الإنصاف وجودة التعلمات. وسجلت أن الطريقة المعتمدة اليوم في تنزيل مشروع مدارس الريادة تثير علامات استفهام كبرى، وتكشف اختلالات بنيوية تمس جوهر الفعل التربوي واستقرار المؤسسات التعليمية.

وأوضحت أن المشروع، الذي قُدِّم كمدخل لتحسين التعلمات، أبان واقع تنزيله عن تبسيط مفرط للتعلمات، واختزال للعملية التعليمية في مؤشرات رقمية ومعطيات تقنية على حساب العمق البيداغوجي والتربوي والإنساني. كما اعتبرت أنه يضعف الدور التربوي للأستاذ عبر حصره في تنفيذ تعليمات جاهزة، بدل اعتباره فاعلا أساسيا وشريكا في البناء التربوي.

وسجلت النقابات أن المشروع يفرض أعباء إضافية متزايدة على نساء ورجال التعليم، من تتبع رقمي وتكوينات متسارعة وتقارير متعددة وإعادة الامتحانات، دون تحفيز مادي أو معنوي كافٍ ومستدام، فضلا عن فتحه المجال لمنطق التجهيزات والبرامج والصفقات، بدل إعطاء الأولوية للاستثمار في الموارد البشرية وتحسين شروط العمل داخل المؤسسات التعليمية، وهو ما يفرز تفاوتات واضحة بينها ويهدد مبدأ تكافؤ الفرص ووحدة المدرسة العمومية.

وفي هذا السياق، اعتبرت النقابات أن الارتباك الذي رافق إعادة الامتحانات، وفق بلاغ الوزارة الصادر يوم الأربعاء 21 يناير 2026، لا يمكن اعتباره معطى تقنيا معزولا، بل نتيجة مباشرة لاختلال في التصور والتنزيل وتغليب المقاربة الإدارية التقنية على الرؤية التربوية الشاملة.

وأكدت أن ما يجري داخل عدد من المؤسسات التعليمية يهدد بتفريغ الفعل التربوي من معناه، ويقوض ثقة نساء ورجال التعليم والمجتمع في المدرسة العمومية، بدل تعزيزها كرافعة للعدالة الاجتماعية والتقدم.

وبناء عليه، أعلنت النقابات رفضها تعميم أي مشروع إصلاحي، بما فيه مشروع مدارس الريادة، خارج إطار تقييم علمي وموضوعي ودون إشراك فعلي للفاعلين التربويين وممثليهم. كما حمّلت الوزارة والمسؤولين المركزيين على البرنامج المسؤولية القانونية والإدارية والأخلاقية في واقعة تسريب الامتحانات بمؤسسات الريادة في السلك الابتدائي، معتبرة ذلك نتيجة مباشرة القفز على قنوات التراسل الإداري والاعتماد على وسائل تفتقر لشروط حماية المعلومة.

وشددت على رفض تحويل الأساتذة ورؤساء المؤسسات والأطر الإدارية والمفتشين والتلاميذ إلى مجرد أدوات تنفيذ، وإثقال كاهلهم بتقويمات وعمليات تقنية بعيدة عن البيداغوجيا والديداكتيك، وطالبت بإعادة النظر في منظومة التقويم التي تحولت، بحسبها، إلى أداة تقنية منزوعة البعد الإنساني.

وختمت النقابات بالتأكيد على تشبثها بتعليم عمومي موحد وديمقراطي ومجاني وجيد، يقوم على الاستثمار في العنصر البشري وتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية وضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص، داعية إلى فتح حوار وطني جاد ومسؤول حول إصلاح تربوي حقيقي ينطلق من الواقع المدرسي وخبرة المدرسين، ومعلنة استعدادها لخوض كل الأشكال النضالية المشروعة دفاعا عن كرامة نساء ورجال التعليم وجودة التعليم العمومي.